علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

14

نسمات الأسحار

فكان زكريا عليه السلام يصادف عندها فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء ويقول متعجبا : أنى لك هذا ؟ ، وتساقط عليها الرطب الجنىّ ، إلى غير ذلك من آياتها وكذلك أم موسى عليه السلام ألهمت في أمره ما لا خفاء به ، وجرى من الآيات في مولد الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما لا ينكره منتم إلى الإسلام ، وكذلك قبل النبوة والانبعاث والمعجزة لا تسبق دعوى النبوة ، فإن تعسف بعضهم وزعم أن الآيات التي استدللنا بها كانت معجزات لنبي كل عصر ، فذلك اقتحام الجهالات فإنا إذا بحثنا على العصر الخالية لم تلق الآيات التي تمسكنا بها مقترنة بدعوى ، بل كانت تقع من غير تحدى المتحدى . فإن قالوا : إنها وقعت للأنبياء دون دعوتهم ، فشرط المعجزة الدعوى ، فإن فقدت كانت خوارق العادات كرامة للأنبياء ، ويحصل بذلك غرضنا في إثبات الكرامات ولم يكن في وقت مولد الرسول نبي تستند إليه آيته ، فقد وضحت الكرامات جوازا ووقوعا عقلا وسمعا . انتهى كلام الإمام في الإرشاد . قلت : فرحمه اللّه ما أغوص فكره وأدق نظره ، وليس بعجيب من مثل هذا الإمام هذا الكلام فإن هذا ثمرة أكل الحلال ، ونتيجة الورع فإن روينا أن والده رحمه اللّه تعالى لما احتاج إلى النكاح ، أخذ يكتب بيده طلبا للكسب الحلال إلى أن جمع ثمن جارية فاشتراها ، وتسرى بها فقدّر اللّه تعالى رب العالمين أن حملت بهذا الإمام الدرّ الثمين ، فكان والده رحمه اللّه تعالى لما أحس بالحمل لا يطعمها إلا حلالا من كسب يده ، ولا يمكنها أن تأكل من طعام غيره إلى أن وضعت ، ثم مدة الرضاع حتى أنه حكى لنا بعض أشياخنا عفى اللّه عنهم ونفع بهم أن أم أبى المعالي ذهبت تقضى لها شغلا ، وكان رضى اللّه عنه يبكى في غيبتها فأشفقت عليه امرأة من جيرانها فأرضعته ، فجاء والده فوجدها ترضعه فلما خرجت ، أدخل أصبعه في فيه فقاء ما رضعه منها ، وإنما فعل ذلك خوفا من الشبهة في اللبن وكأنه بقي في بطنه شئ من ذلك اللبن ، فكان رضى اللّه عنه بعد ذلك يقف في أثناء البحث مع كثرة علمه ، كيف لا ومن تلامذته إمام الآفاق على الإطلاق الغزالي ، فسئل عن ذلك ؟ فقال : هذا تأثير بقية ذلك اللبن الذي رضعته فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم إنا للّه وإنا إليه راجعون من أحوالنا فإنها أهوى لنا ومن أفعالنا فإنها